كلمة السيد الرئيس أحمد الشرع خلال مؤتمر صحفي مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين
2026-03-30كلمة
أود في مستهل حديثي أن أعرب عن عميق امتناني باسمي وباسم الشعب السوري لمعالي المستشار ولألمانيا قيادة وشعبا. لن ننسى أبدا كيف فتحتم أبوابكم لأكثر من مليون سوري حين ضاقت بهم السبل وأوصدت دونهم الأبواب. لقد منحتم أبناءنا فرصة لالتقاط الأنفاس وللتعلم وللعمل ولإعادة بناء حياتهم الممزقة.
السيدات والسادة، تمثل سوريا ببعدها الحضاري وموقعها الهام فرصة مثالية لشراكة سورية أوروبية تقودها ألمانيا وتفتح جسر التواصل والإرث الإنساني والثقافي والتجاري. تعود سوريا اليوم إلى العالم وإلى أوروبا بقوة أكبر وإرادة صلبة وطموح عال يستلهم تجارب الأمم التي نهضت من تحت الركام. واليوم نعيد وضع هذه الشراكة في إطارها الرسمي تمهيدا لإنارة سوريا من جديد.
ولا يمكن الحديث عن التعافي وإعادة الإعمار دون الحديث عن السوريين في ألمانيا. لدينا هنا 1.3 مليون سوري من بينهم 6000 طبيب يعملون في مستشفياتكم وأكثر من ربع مليون إنسان يدفعون الضرائب ويساهمون بشكل فعال بعجلة الاقتصاد الألماني. إننا نفخر بأن السوريين بخبرتهم ومعرفتهم وسرعة تعلمهم أصول وطنية مشتركة بيننا ولذا نعمل مع أصدقائنا في الحكومة الألمانية على إرساء نموذج الهجرة الدائرية الذي يتيح للكفاءات السورية المساهمة في إعادة إعمار وطنهم الأم دون التخلي عن استقرارهم وحياتهم التي بنوها هنا لمن يرغب منهم بالبقاء.
وعلى الصعيد الداخلي لبناء الدولة فإن رؤيتنا لسوريا الجديدة تقوم على مبدأ لا مساومة فيه وحدة التراب السوري وسيادة الدولة الحصري على كامل أراضيها. لن نقبل بأي شكل من أشكال الدويلات داخل الدولة ولن نسمح بوجود أي سلاح خارج إطار المؤسسات العسكرية والأمنية الوطنية ولا بأي إدارة أو سلطة تتجاوز سلطة الدولة المركزية وقرارها. إن بناء سوريا مستقرة وقوية يتطلب حصر القوة والقرار بيد مؤسسات الدولة الشرعية وحدها لضمان أمن الجميع لضمان أمن جميع السوريين دون استثناء.
وعلى الصعيد الأمني أود التأكيد على أن استقرار سوريا وسلامة مواطنيها يمثل مصلحة أمنية عالية. إن مكافحة الإرهاب وكذلك اجتثاث شبكات تهريب الكبتاغون العابرة للحدود تمثل أولوية قصوى نعمل عليها بشراكة جادة كما أننا ملتزمون بأعلى معايير الشفافية وهو ما أكدته منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في تقريرها الأخير حول تعاوننا.
السيدات والسادة لا يسعني في هذا المقام أن أتجاهل التطورات الإقليمية بالغة الخطورة التي تشتعل في منطقتنا منذ أواخر شباط الماضي. لقد تابعنا ببالغ القلق التصعيد العسكري وإننا ندين بأشد العبارات أي مساس بالسيادة وأمن الدول العربية الشقيقة ونرفض رفضا قاطعا جعل منطقتنا مسرحا لتصفية الحسابات. في الوقت نفسه فإننا ندين الاعتداءات والهجمات الإسرائيلية على الأراضي السورية وانتهاك اتفاقية عام 74 واحتلال أراض جديدة ونطالب المجتمع الدولي بالقيام بمسؤولياته الأخلاقية والقانونية.
ختاما معالي المستشار نحن في سوريا نرس اليوم دعائم دولة جديدة دولة القانون ومؤسسات بعد عقود طويلة من الاستبداد الذي سخر طائفية والرعب كأدوات للحكم. نحتاج اليوم إلى دستور عصري يحمي المواطن ويصون كرامته. إننا ننظر إلى المستقبل بعقلية الدولة التي تمتلك مقومات النهوض.
ما نطرحه اليوم هو نموذج استثمار استراتيجي طويل الأمد يفتح أمام السوق الألمانية والاقتصاد الأوروبي أحد أكبر مسارات إعادة الإعمار في القرن الحادي والعشرين. إن تكلفة إعادة بناء سوريا التي تتجاوز 400 مليار دولار تمثل فرصة اقتصادية استثنائية وعقودا متبادلة المنفعة تؤسس لشراكة استراتيجية ندية تعود بالخير والازدهار على بلدينا. من استطاع أن يعيد النور لألمانيا بعد عام 1945 يدرك يقينا قيمة هذه اللحظة التاريخية. نحن في ساعتنا الصفرية ونحتاج إلى شريك يعرف كيف يبني جسورا من النور فوق بحار الظلام وألمانيا بلا شك هي ذلك الشريك.
أشكركم معالي المستشار وأشكر حسن استماعكم.