حرب تحرر واستقلال

2019كلمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: إن ما تتعرض له أرض الشام المباركة اليوم من حملة إبادة وتصفية على أيدي المحتل الروسي المجرم، ليس بحدث جديد، إنما هي حرب مستمرة منذ نحو تسع سنوات. وقد أوشك الصبر أن يليه النصر. إن النظام بشكله السابق قد ولى بغير رجعة بإذن الله. فقد انتصرت الثورة عليه في عدة نواحٍ: فككت جيشه، وأظهرت خور قواه الأمنية، وحطمت اقتصاده، وأجمعت رأيًا عامًا ضده، وعزلته شعبيًا ودوليًا إلا من طمس الله على بصيرته. كما أنها تغلبت عليه في ميدان القيم والأخلاق والمبادئ، حتى بات فاقدًا لأهلية إدارة البلاد فضلًا عن شريته. لكننا اليوم نواجه احتلالًا روسيًا خالصًا. فروسيا كدولة تطمع في استعادة أمجادها السوفيتية على حساب دمائشها، وتستعمل لذلك أقبح الوسائل: فتقتل الأبرياء وتهجرهم، وتدمر مشافيهم ومدارسهم، وتحرق مزارع الفلاحين وتهدم مصانع العمال، وتضرب الأسواق والقرى والبلدات، وتحاول أن تمنع حتى المساعدات الإنسانية أن تصل لأهلها. كما نواجه احتلالًا إيرانيًا يهدف للقضاء على أهل السنة، واستعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية، متسترًا بدعاوى التشيع والتعصب المذهبي، وتبدل هذا الشعب بشعب يلبي رغباته التوسعية التي لا تكتفي بأرض الشام فحسب، فتلك العراق واليمن والخليج العربي، ناهيك عن مشاريعه في شرق آسيا وإفريقيا. والنظام بينهما صار كالدمية يتلاعب به الطرفان؛ فإيران تسعى إلى الاستلاء على الأراضي والعقارات عبر التغيير الديمغرافي لمناطق أهل السنة. وعلى الطرف الآخر، يسعى الاحتلال الروسي لضمان موقع استراتيجي له على المياه الدافئة للبحر المتوسط، لاستخدامه فيما بعد لنهب ثروات المنطقة، ولعب دور فعال في الصراعات الدائرة فيها. وفي سبيل تحقيق أهدافهم تلك، لا يمانع كلا الطرفين في ارتكاب أبشع المجازر بحق أهل السنة، من قصف وتدمير وتسوية بالأرض، بعد عزهم عن إخضاع الثورة سياسيًا أو أمنيًا. فأمام هذه التحديات، نستطيع القول أننا نقف بوجه معركة عظمى، نيابة عن أمة الإسلام برمتها بالدرجة الأولى، ونيابة عن عالم منافق كان يهمه يومًا من الأيام القضاء على الاتحاد السوفيتي، والوقوف أمام الأطماع الإيرانية في المنطقة. إن حكاية استقواء دولة عظمى على شعب مستضعف قد تكررت كثيرًا على مر التاريخ، والعاقبة باتت معلومة بالضرورة دائمًا وأبدًا: أنها لأصحاب الأرض الصابرين الثابتين، الذين اختاروا خيار المواجهة للمحتل، وبذلوا مهجهم في سبيل تحررهم، فيحققه الله له نصرًا وعزًا ومجدًا على قدر ما يبدلون. سنة كونية لا تعرف المحاباة. شعبنا الأبي الصابر، نحن الآن قد تجاوزنا مرحلة إسقاط النظام، وبتنا في حرب تحرر واستقلال من احتلال روسي إيراني غاشم، يستهدف ديننا وأرضنا وثرواتنا. وعلى هذا الأساس، يجب أن نضع خطتنا وتصوراتنا ورؤيتنا للصراع القائم، فليس لنا خيار إلا مواجهة المحتلين، والصمود أمام ظلمهم وطغيانهم، فإما نحقق النصر والظفر ونراه بأعيننا، وإما شهادة في سبيل الله. وإن ما يجري اليوم من مجازر ومآسٍ هو حلقة من هذه الحرب التي لا خيار لنا فيها إلا المواجهة. والأيام دول يوم بيوم، وإنما تقاس المعارك بخواتمها. فإن الاحتلال حالة مؤقتة لن تلبث أن تزول، وتخرج بالخزي والعار ولو بعد حين، ويفوز يومها الأبطال بشرف الدفاع عن أرضهم وعرضهم وعرضهم وعرضهم ودمائهم. وإن الأمة الخائفة الخاضعة، التي لا تبذل جهدًا في الدفاع عن أمنها وثرواتها، أمة تحيا ذليلة كئيبة، تجر ذيول خيبتها على مر الزمان. ومن هذا نعلم أن أسباب النصر والهزيمة تكمن بداخلنا: بذواتنا، بإيماننا، باستعدادنا الدائم للتضحية والفداء، بإقلاعنا عن المعاصي، وتوبتنا إلى الله، والرجوع إليه. فإن النصر يهيئه الله في متناول اليد لمن أراده وسعادته. إن شعوب المنطقة والعالم بأسره سيتحملون نتائج هذه الحرب وتبعاتها السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية. فشعوب الشام من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وشعوب العراق واليمن والخليج العربي، وتحديدًا الحرمين الشريفين، والشعب التركي، كلهم سيتحملون تبعات هذه الحرب، وستنعكس عليهم وعلى معيشتهم نتائجها، إيجابية كانت أم سلبية، لما سينتج عنها من خلط في الأوراق الدولية، وإعادة توزيع مراكز القوى في المنطقة من جديد. ومن هذا المنطلق، يتبين لكل عاقل حجم المسؤولية العظمى الملقاة على عاتق مجاهد الشام وأهل الشام، وكل فرد يعيش على هذه الأرض المباركة، وأهمية المرحلة التاريخية التي نمر بها اليوم. وإن ذلك من جهة أخرى له شرف عظيم، أكرم الله به عباده في أرض الشام، أن يختارهم لهذه المهمة العظيمة. فتلك نعمة توجب الحمد والشكر الدائم؛ لأنه من جنس الاستفاء الذي يخصه الله لعباده المقربين. أهلنا الكرام، إن من صمودكم وثباتكم نستلهم عزائمنا، ومن تضحياتكم وبذلكم نرسم طريق عزنا ومجدنا. فنحن أمة منصورة بإذن الله، ولن يدوم الباطل مهما على وكثر أعوانه ومؤيدوه. وإن الله لن يضيعنا ونحن نرجوه ونطلبه في كل حين. فما نحياه اليوم من أيام مباركة نصاول فيها عدونا، وندفع عن أهلنا وأمتنا جمعاء، له عين النصر والتوفيق. وموقفكم هذا شارة فخر وإباء. وفي القرآن ما يسلنا من سيار المرسلين والأنبياء، وما مروا به من صعاب ومشاق وابتلاء. وكذلك في معارك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يطمئن بالنا ويعزي خواطرنا، أن الله يبتلي عباده فيميزهم ويختبرهم، ولينزل نصره على من يستحق من الصابرين والمجاهدين، ويتخذهم: "فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا من عند الله والله عنده حسن الثواب." إن أول عبارة أطلقت بوجه هذا النظام المجرم، وهي التي حملت هذه الرسالة العظيمة المكتوبة بالدم، كانت: "الموت ولا المذلة". وقد وعى شعبنا الأبي ثمن هذه الكلمة، وقدم لها رسالة عظيمة، وقدم لها التضحيات منذ بدايات الثورة المباركة، ولا يزالون يقدمون الغالي والنفيس بجانب أبنائهم المجاهدين في سبيل نيل العزة والكرامة. فيقول تعالى معزيًا ومسليًا لكم: "ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون." إخوان المجاهدين والمرابطين، لقد شرفنا الله بالقتال تحت لواء عقده مئات الآلاف من الشهداء والأسرى والمجاهدين. وإنها لأمانة لا يوفي حقها إلا كل صابر محتسب، شهم غيور، قد عاهد الله أن يمضي على ما مضى عليه من سبقوه، وفيًا لهم ولرسالتهم السامية التي ضحّوا من أجلها. فإننا نعبد طريق المجد والعز لجيل كامل من أبنائنا، كي يحيوا حياة لا عبودية فيها ولا خنوع. فابذلوا ما تستطيعون في سبيل ذلك، فهي التجارة الرابحة والخير الوفير إن شاء الله. قال تعالى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا." إخواني الكرام، قد حلّب دياركم خير عظيم، فلا تنسوا نصيبكم منه. فها قد جاء عدوكم يريد أرضكم ودياركم وإذلال أهلكم، فأروا الله من أنفسكم خيرًا. وتذكروا أن الله يحفظكم، وأن الله جل في علاه قد عاهدكم وعقد معكم الصفقة من فوق سبع سماوات، فأوفوا بعهد الله يوف بعهدكم. يقول تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم." ونحن إذ نثمن ونشكر جهود كافة المجاهدين من جميع الفصائل، الذين شهدنا تكاتفهم ووحدتهم صفًا واحدًا في مواجهة العدو الصائل. كما أننا نبارك عمليات الاستهداف النوعية خلف خطوط العدو، وفي قلبه الاقتصادي كمصاف النفط وحقول الغاز، وعمقه العسكري كعمليات استهداف المطارات التي تخرج منها طائرات الإجرام. فلم يعد يعلم العدو من أين تأتيه الضربات، وإلى ما ستصل إليه أياد المجاهدين في المرات القادمة بإذن الله تعالى. كما نتوجه بالشكر والتقدير لكل من قدم يد العون لأهلنا النازحين، ولكل من فتح بيته لهم، وسعى لتخفيف وطأة النزوح وقسوة البرد والشتاء عنهم. وأوصي إخوان المجاهدين عامة، وجنود الهيئة خاصة، بتقديم كل ما يستطيعون لمساعدة أهلهم وحفظ أمنهم وتسير أمورهم. ولا تشغلنكم معركة عن خدمتهم وعونهم. وفي الختام، فمن كان يؤمن بالله واليوم واليوم الآخر، وهو قادر على حمل السلاح، فلينهض إلى سلاحه، وليلتحق بصفوف المجاهدين. فإن الجهاد بالنفس واجب عيني على كل مسلم، لنستمر في مسيرة تحرير بلادنا وشعبنا. فإن المعركة مستمرة وطويلة، وتحتاج منا إلى صبر ومصابرة. فهي وإن تغير شكلها وميزانها، إلا أن هدفنا فيها واحد، والنصر يقيننا ونبراسنا بإذن الله تعالى. والحمد لله رب العالمين.